iii

كان شاباً مفعماً بالنشاط ، تتبيّن على محياه سيمات أهل الصلاح والخير ، خصوصا وهو بذلك الوجه النيّر و الجبين اللامع مع حرقة الصيف و تلك اللحية الصغيره المكتسية بالسواد البرّاق ، مسالم و يحب الجميع و لا يدخل في مشاكل مع أحد.

إلتقيت به بُعيد آخر إختبار لنا في الكلية ، تحدث معي وسئلني عن النتائج ، ثم تحدث عن الفيديو الذي عُمل عن أطفال غزّة ، و أكثر من المديح بخصوصه و شكر للجميع جهدهم في المبادرة ، كما تحدث لي كثيراً برغبته بالتعرف على عالم التدوين و أمتدح كثيراً ما قرأه في مدونتي حتى وصل به الأمر أن يجعلني أستاذاً له في التدوين رحمة الله عليه رغم أنني لا أستحق كل ذلك.

كان يتحدث بحماس عن التدوين ، و عن نيته للدخول في عالمه ، و كان يطلب مني أن أوافق على إرساله بعض المقالات التي كتبها في بعض الصحف لأقوم بتقييمها رغم أصراري بأني لست أهلاً لذلك ، و إصراره هو بأني أفضل من سيقيّم مقالاته ، فقلته له أنني سأقرأها و أرد عليه بعد ذلك.

صادفت حياتي الدراسية وجوده معي في العديد من المواد ، أذكره جيداً وهو ينادي بأعلى صوته عندما يراني أهلاً بالشيخ عبدالله ، و كنت أضحك كثيراً على كلمة الشيخ ، فلست أستحقها ، وكان يصّر كثيراً عليها.

كان مثيراً في المحاضرات ، يشارك بفعّالية كبيره ، و يحاول الإلمام بكل شي ، و كان يتداخل مع الدكتور بكثرة ، مما جعله مثار لسخرية الآخرين منه ، الذين كانوا لا يحبون المشاركة وينزعجون من تداخله مع الدكتور بكثره.

أذكر حين أتعبته يوماً من الأيام ، وكلفته عناء المشوار ليأتي ويشرح لي بعض ما لم أفهمه في مادة الذكاء الإصطناعي ، حيث درسنا سوية عند أحد الدكاتره الذين كنا نشتكي أنا وهو منه ، ومن أسلوب تعاملة ، فجاء بكل حرص و جلس يشرح لي ما يستطيع وهو نفسه كان غير ملم بالمادة ، ولكن الحرص جعله يأتي ليجهد نفسه و يشرح بحماس عسى أن يفيدني و يستفيد.

ولا أنسى حينما جائتنا ورقة الإمتحان في نفس المادة ، و أمتلئت بالأسئله الصعبه ، إلتفت لي و أبتسم.

كان متزوجاً رحمه الله ، و كنت كثيراً ما أمازحه و أتندر بأنه المتزوج الوحيد الذي أعرفه من الجامعة ، وكان يضحك كثيراً حتى تشرق الشمس في محياه ، و يصرّ علي بأن أتزوج حتى لا أفوّت طعم الراحة الذي يعيشها.

عانى كثيراً مع الدراسة ، فهو درس في جامعة الملك فهد ، ثم إنتقل إلى جامعتي متأخراً ، و بدأ يجتهد حتى نال التخرج بتوفيق من الله.

لكن ،،

لم يمهله الموت أن يستمتع بالتخرج ، أخذه الموت بسرعة بعد تخرجه بشهرين ، و هو في مكة المكرمة لأداء العمرة ، و صلي عليه بعد صلاة الجمعة السادس من جمادى الأول 1430 هـ.

لم يمهلني الموت أن أقرأ ما كتبه ، و لم يمهله الموت أن يدخل هو عالم التدوين ، لم يمهلنا الوقت جميعاً نحن أصحابه أن نستمتع بمتعة اللقاء معه.

رحمك الله يا عبدالله الوهيبي ، و أسكنك فسيح جنّاته ، وجعل مثواك الجنة.

اللهم إغفر له ، و أرحمه ، و إغسله بالماء و الثلج و البرَد ، و نقّه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.